كتاب التَّنوير في الاصطلاحات الطِّبية لأبي منصور القمري المتوفى سنة 380هـ
نشر: الثلاثاء 6 مايو 2025م
د. عبد العزيز عبد اللطيف مبروك*
يقولون: إنَّ النَّظر إلى اللوحة من بعيد يعطي تفاصيل متعددة. ومن ثمَّ فإنَّ النَّظر إلى التراث يجده بحاجة ماسة لفهم طبيعته، ومدى ارتباطه بالحضارة الإنسانية.
وبالنَّظر إلى التراث العلمي يوكد أ.د. أنس الفقي[1] - أنَّه "صاحب الحظِّ الأقلِّ في النشراتِ التراثية الحديثة؛ لما يتضمّنُه من أفكار ونظريات تَجاوَزَها التطوُّرُ العلمي، وما به من مصطلحاتٍ قديمة تحتاج -ليس فقط- إلى توضيح وتعليق. بل تحتاج إلى ترجمة إنجليزية لكي تفهم في سياق التَّخصص العلمي الحديث الذي تجاوزها إلى حدٍّ بعيد".
وانطلاقًا من مقولة أ.د. أبو شادي الروبي[2]: "إنَّ تراث العرب في الطِّب كان مفخرة، ولا يزال قادرًا على أن يمنحنا قيمًا للحاضر والمستقبل معًا". كان لمركز تحقيق التراث العربي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا الريادة والتميز في مجال نشر التراث العلمي بصفة عامة، والتراث الطبي بصفة خاصة؛ ككتاب المختار لابن هبل، والقانون في الطب لابن سينا، والجامع والمغني لابن البيطار، وشجرة الطب، والشذور الذهبية، وغير ذلك من كتب التراث العلمي العربي، وترجمة كتاب تاريخ الطب العربي للمستشرق الفرنسي لوسيان لوكلير.
وتتعدد النَّظرات مرات ومرات لنصل إلى كتاب مهم ماتع هو "التَّنوير في الاصطلاحات الطبية" لابن نوح القمري، الذي يعد من أوائل المؤلفات العربية في هذا المجال، فصاحبه عاش في القرن الرابع الهجري أي قبل ابن سينا، وكان طبيبًا وعالمًا في الطِّب، ولم يكن له سلف عربي أصيل في هذا المجال، حيث لم يعثر الباحثون على معجم متخصص قبله كالذي قيل إنَّ حنين بن إسحاق قد ألَّفه.
يقول أ.د. أنس الفقي: "ومن هنا تبرز أهميته في تَلَمُّس الجذور الأولى للمصطلحات الطبية العربية، تلك التي تَتَبَّعَهُ فيها ابنُ سينا ومن جاءوا بعده، خاصة وأن بعض المصادر قد ذكرت أن ابن سينا قد تتلمذ على القمريّ إبّان شيخوخته (أي شيخوخة القمري)".
ين يدي "التنوير":
لقد كانت النَّفس توَّاقة، والرُّوح منجذبة لتحقيق كتاب "التَّنوير في الاصطلاحات الطِّبية" لأبي منصور الحسن بن نوح القمري (توفي 380 هـ). فهو من أهم المراجع التي استعنت بها ورجعت إليها، أثناء تحقيقي للجزء الثالث من كتاب "المختار في الطِّب"، لمهذب الدين أبي الحسن علي بن أحمد بن علي بن هبل البغدادي (توفي 610 هـ)، والجزء الرابع من كتاب "القَانُون في الطِّب"، لأبي علي الحُسين بن سينا (توفي 428 هـ).
وما من شكٍّ أنَّ ظهور القواميس وكتب شرح المفردات الطِّبية، يؤكد بشدَّة ووضوح على نُضج العقلية العربية في مجال المعرفة الطِّبية، واتساع الأفق، وعمق المشاركة الإنسانية في هذا المجال المعرفي.
و"التَّنوير" من أهم الكتب التي اشتهرت في القرن الرَّابع الهجري، والتي تعرضت للتعريف بالمصطلح الطِّبي، وقد بذل فيه المؤلف مجهودًا عظيمًا، شهد له العديد ممن كان لهم باع في هذا المجال. ولا يخفى أنَّ معرفة المصطلحات وما يُقصد بها، وما يُراد منها، وما تدل عليه من معانٍ من الأمور اللازمة التي لا غنى عنها.
ومن هذا المنطلق فقد قمت بتحقيق هذا الكتاب الماتع تحقيقًا علميًّا دقيقًا، يعالج أوجه القصور التي لحقت بالنَّشرات السَّابقة؛ حيث إنَّ الكتاب قد نُشِرَ نشرتين سابقتين، ومع تقديري لكل جهد علمي بُذل في محاولة تحقيق هذا الكتاب، فإنَّ هاتين النشرتين لم تستوفيا ضوابط التَّحقيق العلمي المتكامل، الذي يبرز الكتاب بأكمل وأدق صورة يمكن أن يكون عليها النَّص. ولا شكَّ أنَّ الجهود تتكامل لتصل إلى هذا الهدف المنشود؛ لذا فقد اعتبرت كلا من النشرتين السَّابقتين بمثابة نسخة مساعدة في المقابلات.
وإن من أهم أسباب تحقيق هذا الكتاب هو رفع الظُّلم الذي تعرَّض له الكتاب وصاحبه، فالكتاب قيِّم في موضوعه، وكاتبه أغفلت المراجع والمصادر ذِكره. ولولا ترجمة ابن أبي أصبيعة لضاعت سيرة الرَّجل في عالمنا الافتراضي.
التَّعريف بالمؤلف:
● اسمه ونسبه:
هو أبو منصور الحسن بن نوح القمري. وقال حاجي خليفة: حسين بن نوح القمري. أما نسبته "القمري"، فقد اختلفت المراجع في ضبطها، بضم القاف أم فتحها، وأغلب المراجع ذكرت "القُمري" بضمِّ القاف نسبة إلى القمر وهي بلدة تشبه الجص لبياضها بمصر. وذكر الصفدي "القَمري" بفتح القاف نسبة إلى القمر.
ومن الجدير بالذِّكر أنَّ كتب الأنساب لم تذكر الحسن بن نوح القمري في أيٍّ من النِّسبتين[3].
ولادته ونشأته:
ينحصر ما نعرفه في أنَّ الحسن بن نوح القمري، من أهل بخارى، ينتمي إلى علماء القرن الرَّابع الهجري، كان في أيام الأمير منصور الساماني الذي ولي أمر خراسان وما وراء النَّهر في الفترة من (350هـ : 366هـ)، وكانت بخارى عاصمة له. وأغفلت المصادر والمراجع وقت ولادته.
قال ابن أبي أصيبعة: "كان سيد وقته وأوحد زمانه، مشهورًا بالجودة في صناعة الطِّب، محمود الطَّريقة في أعمالها، فاضلاً في أصولها وفروعها، وكان -رحمه الله- حسن المعالجة جيد المداواة؛ متميزاً عند الملوك في زمانه؛ كثيري الاحترام له"[4].
وقد التقى القمري بعضًا من مشاهير عصره، مثل الطبيب ابن سينا. وذكرت بعض المراجع أنَّ ابن سينا تتلمذ على يد القمري، وإلى هذا ذهب ابن أبي أصيبعة حيث قال: "حدثني الشَّيخ الإمام شمس الدين عبد الحميد بن عيسى بن الخسروشاهي أنَّ الشَّيخ الرئيس ابن سينا كان قد لحق هذا وهو شيخ كبير، وكان يحضر مجلسه ويلازم دروسه، وانتفع به في صناعة الطِّب"[5].
مؤلفاته:
التَّنوير في الاصطلاحات الطِّبية (مطبوع)، علل العلل (مخطوط)، الغنى والمنى (مخطوط)، الشَّمسية المنصورية في الطِّب (مخطوط)، معالجة المرضى ومداواة اهل العلل (مخطوط)، رسالة في أمراض الصَّدر (مخطوط)، رسالة في الحُمِّيَّات (مخطوط)، مجموعة الأدوية المفردة (مخطوط)، مقالة في الاستسقاء (مخطوط)، مقالة في البحران (مخطوط)[6].
وفاته:
اختلفت المراجع في تحديد سنة وفاة الحسن بن نوح القمري، فذهب بروكلمان والزركلي إلى أنَّ سنة وفاته 380 هـ - 990م، وعند سزكين 390 هـ - 999م. أما البغدادي فقد ذكر تاريخين لوفاة الحسن بن نوح القمري، هما 380هـ، و857هـ[7].
● نسبة الكتاب إلى صاحبه:
كتاب "التَّنوير في الاصطلاحات الطِّبية" لأبي منصور الحسن بن نوح القمري، والمنسوخ بعنوان: "كتاب غنى ومنى" للمؤلف. والكتاب –كما نرى- يختص بالمصطلحات الطِّبية.
والكتاب له عدَّة نُسخ بأسماء مختلفة، فالنُّسختان الموجودتان في الجمعية الملكية بلندن، بعنوان: "مصطلحات الطِّب"، و"أسامي العلل"، والنُّسختان الموجودتان في مكتبة جامعة طهران بعنوان: "رسالة في حدود الأمراض"، و"رسالة اصطلاحات طبية"، ونسخة مكتبة Chester Beatty، ومكتبة السلطان الفاتح، بعنوان: "رسالة في الطِّب"، ونسخة أخرى بمكتبة Chester Beatty، وسراي أحمد الثالث، بعنوان: "التَّنوير في الاصطلاحات الطِّبية".
ولقد ذكر خير الدين الزركلي كتاب القمري بهذا الاسم، فقال في معرض الحديث عن ترجمته: "وله التَّنوير"[8]، وفؤاد سزكين[9]، والدكتور نشأت حمارنة في مقاله "المعجمات الطبية"[10]، وعبد الحفيظ منصور[11].
● مصادر المؤلف:
اعتمد المؤلف أبو منصور الحسن بن نوح القمري، على العديد من المُصنفات التي توافرت لديه ممن سبقه من الأطباء. ومن أشهر من نقل عنهم الحسن بن نوح القمري: أبقراط، وأهرن، وجالينوس، وروفس، وأرسطاطاليس، وبولس، وابن ماسويه، وبختيشوع.
● قيمة الكتاب:
إنَّ كتاب "التَّنوير في الاصطلاحات الطِّبية" لأبي منصور القمري، والذي كُتِبَ في النِّصف الثاني من القرن الرابع الهجري، كتاب قصير، يتألف من تعريفات مركزة للمفردات والمصطلحات الطِّبية، وقد كان له مقام رفيع في زمانه على الرغم من عدم شهرته في الوقت الحاضر، فهو لذلك يمثل إضافة تثرى المكتبة الطِّبية، وبخاصة أنَّه يقدم تلك التَّعريفات بشكل يفيد المتخصص من جهة، ويفيد عامة القراء من جهة أخرى، مستخدمًا لغة مبسطة سهلة.
يقول أبو منصور القمري: "وأخذت أن أُفسِّر كلَّ لفظة منها تفسيرًا مجرَّدًا من غير أن أذكر أسبابها وعللها، وأشرح اتِّخاذ كل شيء شرحًا كافيًا وافيًا، وألا أعدو فيها مذهب أهل هذه الصِّناعة، وإن كانت اللغة تحتمل غيره، وأهل البلدان والأقاليم مختلفون فيه.
وأن أُسمِّيه "كتاب التَّنوير"، وأن أجعلها عشرة أبواب، وأقرن كل لفظة بصواحبها في الباب الذي أفرده؛ لئلا يلتبس بعضها ببعضٍ، فيعسر وجدانها، ويبعد تناولها".
يبدأ الكتاب بمقدمة قصيرة، يؤكد فيها المؤلف أنَّه يعرف فضل صناعة الطِّب، وحاجة النَّاس إليها في جميع الأزمنة، ورغبتهم في تعلمها، ولذلك فإنَّه جمع من كتب طبية عديدة وكناشات أقوال الأطباء في الأمور التي يحتاج إليها الممارس لصناعة الطِّب، والتي قد لا يجدها الباحث إلا في كتب شتى بعد العناء والمشقة.
يقول أبو منصور القمري: "إنَّ لِكُنْهِ معرفتي بفضل علم الطِّب على سائر العلوم، وفرط علمي بحاجة كلِّ شخصٍ في كلِّ وقتٍ، وفي كلِّ مكان إليه، وشدَّة حرصي على ما يرغب النَّاس في تعلُّمه، لا أزال مُفكِّرًا في جمع ما يُقرِّب البعيد، ويسهِّل المتوعِّر؛ ليزداد المبتدئ به والشَّارع فيه قوة صريمة وثبات عزيمة على دراسته واستكمال الحظِّ منه، وقد أحببتُ بعد التَّرقب أن ألتقط من بُطون الكتب وتضاعيف الكُنَّاشات ألفاظًا هي عند أهل الصِّناعة معروفة، واتخاذ أشياء لا بُدَّ منها في كل يوم. ثم لا توجد تلك الأشياء إلا مُتفرِّقة، وفي كتب شتَّى.
والطَّارئ على هذا العلم يحتاج في تحصيلها والوقوف على معانيها إلى تكلُّفٍ شديدٍ ومقاساةٍ وتعبٍ كثيرٍ، ولعلَّ معاناة النَّصب في طلبها يحمله على نبذها جانبًا والإعراض عنها".
ويحتوي الكتاب على عشرة أبواب متخصصة في الصناعة الطِّبية، وتشمل موضوعات مختلفة مهمة تختص بعلم الأمراض، والصيدلة، والمكاييل والموازين.
وهي:
الباب الأول: في أسامي العِلل الحادثة من الفَرق إلى القدم.
الباب الثَّاني: في أسامي العِلل الحادثة في سطح البدن.
الباب الثَّالث: في أسامي الحُميَّات.
الباب الرَّابع: في أسامي ما في بدن الإنسان من عضو وغيره مما يجري مجراه.
الباب الخامس: في أسامي الطَّبائع وما في معناها من الألفاظ والحوادث في بدن الإنسان.
الباب السَّادس: في أسامي الأشياء المستعملة في العلاجات.
الباب السَّابع: في أسامي الأطعمة والأشربة.
الباب الثَّامن: في أسامي القراباذينات.
الباب التَّاسع: في أسامي الأوزان والأكيال.
الباب العاشر: في اتِّخاذ الأشياء التي لا بُدَّ منها كلَّ يومٍ.
ويستخدم أبو منصور القمري بعض المفردات اليونانية بأحرف عربية، مثل: الكيلوس، الكيموس، فلغموني، القطرب، المانيا، القيفال، الباسليق، البلغم، القوطولي، الدرخمي، المالنخوليا.
وكتابة المفردات اليونانية بأحرف عربية كانت ظاهرة شائعة في بدايات التأليف في المصطلحات الطِّبية، وذلك بسبب افتقار اللغة العربية -وقتها- إلى مفردات فنية إصطلاحية. وقد قلَّ هذا الافتقار في زمن القمري، والفضل يرجع إلى جهود المترجمين العرب في وضع أكثر المفردات باللغة العربية.
ويختتم الحسن بن نوح القمري مقدمته بقوله: "ورجوت بما عملته من ذلك من الله حُسن الجزاء، ومن الخلائق حُسن الثَّناء".
ومن هنا نؤكد أنَّ كتاب "التَّنوير في الاصطلاحات الطِّبية" من أهم المعاجم المختصة المؤلفة في التراث العلمي العربي، وأنَّ الحسن بن نوح القمري بحاجة ماسَّة لدراسة حقيقية، توضح حياته، وتكشف ما غمض منها، وأنَّ ما تركه من تراث علمي عظيم بحاجة إلى تحقيق علمي حقيقي.
تحقيق الكتاب
● أولا: الطَّبعات السَّابقة للكتاب:
(1) نُشِرَ هذا الكتاب أول مرة في ثلاثة أجزاء في "مجلة مجمع اللغة العربية" بدمشق سنة 1990م – 1991م ، مجلد (64، 65، 66)، بتحقيق وفاء تقي الدين.
ومن الأمانة العلمية أن نذكر بعض التفاصيل:
أ- كان من الأفضل أن يُنشر الكتاب كاملًا في "مجلة مجمع اللغة العربية"، كما يتم في "مجلة معهد المخطوطات" بالقاهرة، بدلا من نشره مفرقًا، فربما لم يعثر القارئ على عددٍ من أعداد المجلة، ومن ثمَّ يفقد جزءًا من الكتاب، ولكن ربما كانت ضوابط النَّشر في "مجلة مجمع اللغة العربية"، هي التي جعلته بهذا الشَّكل المتفرق.
ب- في (ص 7) ذكرت المحققة المخطوطات التي استعملتها في التَّحقيق وهي:
- صورة عن نسخة مكتبة أحمد الثالث، ورقم المخطوط فيها (2040 –أ- 1037)، وهي نسخة كاملة، عدد أوراقها (25) ورقة، متوسطة الحجم، في كل صفحة (13) سطر، نُسخت في القرن التاسع بقلم تعليق حسن، وليس فيها ما يحدد تاريخ النَّسخ، ولا اسم النَّاسخ.
- صورة عن نسخة الجمعية الملكية بلندن، باسم "مصطلحات الطِّب"، ورقمها فيه (1253)، وهي نسخة كاملة أيضًا، عدد أوراقها (11) ورقة من الحجم المتوسط، في كل صفحة (17) سطر، وقد نُسخت سنة 1084هـ، بخط فارسي دقيق، وصورتها باهتة جملة.
- صورة عن نسخة الجمعية الملكية بلندن، باسم "أسامي العلل"، برقم (1243)، وتقع في (11) ورقة من الحجم الصغير، في كل صفحة (10) أسطر، كُتبت بخط رقعة حسن، وليس فيها ما يبيِّن تاريخ النَّسخ، ولا اسم النَّاسخ.
ونلاحظ هنا –بعد سرد هذه النُّسخ- أنَّ هذه النُّسخ لم تُكتب في حياة المؤلف، أو بعد وفاته بوقت قصير، وإنما كُتبت بعد وفاته بقرون.
لم تحدد المحققة أي نسخة قد اتخذتها أصلًا، بل عادت إليها جميعًا.
كما نلاحظ أيضًا: أنَّ المحققة لم تدرج أي صورة من لوحات النُّسخ التي أشارت -فيما سبق- أنها استعملتها في تحقيق الكتاب.
(2) نُشِرَ الكتاب مرة أخرى بتحقيق الدكتورة غادة حسن الكرمي، وطبعه مكتب التربية العربي لدول الخليج، بالرياض، سنة 1411هـ، 1991م. ويبلغ عدد صفحات الكتاب (115) صفحة.
ومن الأمانة العلمية أن نذكر بعض التفاصيل:
أ- لم يخرج الكتب المطبوع بشكل علمي صحيح، وهذا ليس من باب الطعن في المحققة، فربما كانت لها وجهة النظَّر الخاصة بها عند نشر الكتاب. وأشير في عجالة إلى بعض الملاحظات، منها:
1- يبلغ عدد صفحات الكتاب (115) صفحة، وتقسيمها كالتالي: المقدمة وطريقة التحقيق من ص 1 إلى ص 47. النَّص مع التعليقات من ص 49 إلى ص 108.
2- الكتاب يخلو من قائمة المصادر والمراجع والكشافات الفنية المتخصصة.
3- لم يخضع الكتاب للمراجعة النهائية عقب الانتهاء من تحقيقه، فهناك الكثير من الأخطاء الإملائية والطباعية.
4- الجهد الواضح في الكتاب هو المقابلة بين النُّسخ. وهنا تكمن مشكلة أخرى، فقد ذكرت المحققة أنَّ الكتاب له نسخ كثيرة في مكتبات العالم، حيث تقول (ص 22): "وهو موجود –أي الكتاب- الأن في إحدى عشرة نسخة مخطوطة على الأقل، وقد يوجد منه ثلاث نسخ أخرى، وفي مدينة الموصل منه نسختان يملكها أحد السكان هناك، وفي استانبول أربع نسخ، وفي القاهرة مخطوطة أخرى، واثنتان في حيدر آباد، وثلاث في انكلترا. والمخطوطات الثلاث المشكوك في صحتها موجودات في مكتبة تشستر بيتي Chester Beatty في دبلن، ويقول عنها فهرس المكتبة هكذا: "التَّنوير في الاصطلاحات الطِّبية"، ولا يزيد عن ذلك، ولا يذكر اسم المؤلف. والنُّسختان الموجودتان في طهران يذكران بعنوان: "رسالة في حدود الأمراض"، وبعنوان: "رسالة اصطلاحات طبية"، وليس لاسم المؤلف ذِكر.
واستعملت في تحقيق هذا الكتاب مخطوطة مكتبة Chester Beatty المشار إليها، وكذلك إحدى المخطوطتين في طهران".
والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف للمحققة أن تقول: "وقد يوجد منه ثلاث نسخ أخرى"؟ فهذا قول مرسل لا يصح في عالم التَّحقيق.
والسؤال الآخر: لماذا تلجأ المحققة لاستعمال مخطوطة مكتبة Chester Beatty والتي قالت عنها: "المشكوك في صحتها"؟
ومن هنا نقول: إنَّ اختيار المحققة لنسخ الكتاب قد جانبه الصَّواب.
5- في (ص 39) ذكرت المحققة المخطوطات التي استعملتها في التَّحقيق وهي:
- مخطوطة (س) في مكتبة Chester Beatty في دبلن، تحت رقم (4001)، وهي الأوراق السَّبع في أول مجلد مجمع تحت عنوان "رسالة في الطِّب"، وليس عليها ذِكر لاسم المؤلف، وتاريخ المخطوطة 735هـ - 1334م، وعليها اسم النَّاسخ أو الكاتب وهو حسن بن علي الطبيب، وهي مكتوبة بقلم التعليق.
- مخطوطة (ف) في مكتبة السلطان الفاتح في استانبول، تحت رقم (617- ف 5317) من الورقة (99) إلى (121) من مجلد مجمع تحت عنوان "رسالة في الطِّب"، وهي مكتوبة برسم رديء من قلم التعليق، وليس عليها تاريخ، ويحتمل أن يكون تاريخها نحو القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي.
- مخطوطة (أ) في سراي أحمد الثالث، تحت رقم (2030) تحت عنوان "كتاب التَّنوير في الاصطلاحات الطِّبية"، من الورقة (1) إلى (25)، وهي مكتوبة بقلم التَّعليق، وليس عليها تاريخ، ويحتمل أن يكون تاريخها نحو القرن الثاني عشر الهجري / الثامن عشر الميلادي.
- مخطوطة (ط) في مكتبة جامعة طهران، تحت رقم (2838/4) وليس فيها إشارة ترقيم الأوراق، وتحت عنوان "رسالة في حدود الأمراض"، وهي مكتوبة بالقلم النسخي الواضح، من غير تاريخ، ويحتمل أن يكون تاريخها نحو القرن الثالث عشر الهجري / التاسع عشر الميلادي.
- مخطوطة (ر) في مكتبة الكلية الملكية للأطباء في لندن Royal College Of Physiciians تحت Tritton رقم (20)، وأوراقها من (200) إلى (210) من مجلد مجمع تحت عنوان "مصطلحات الطِّب"، وهي مكتوبة بالقلم الفارسي بخط رديء، وتاريخها 1084هـ.
ونلاحظ هنا –بعد سرد هذه النُّسخ- أنَّ هذه النُّسخ لم تُكتب في حياة المؤلف، أو بعد وفاته بوقت قصير، وإنما كُتبت بعد وفاته بقرون.
كما نلاحظ أيضًا: أنَّ المحققة لم تدرج أي صورة من لوحات النُّسخ التي أشارت -فيما سبق- أنها استعملتها في تحقيق الكتاب.
● ثانيا: وصـف المخطوطات:
النُّسخة الأولى: نسخة دار الكتب القومية:
وهي نسخة ميكروفيلمية محفوظة بدار الكتب القومية، تحت رقم (167 - طب تيمورية)، ورقم الفيلم (3221)، وهي بعنوان: "غنى ومنى في الطِّب، لأبي منصور الحسن بن نوح القمري، أحد مشايخ الرئيس ابن سينا".
وتقع النُّسخة في (11) ورقة، ومسطرتها (25) سطرًا، وعدد الكلمات في كل سطر من 13 – 14 كلمة، وهناك إضافات في هوامش بعض الصفحات، وقد كُتِبت بخط النَّسخ.
وفي صفحة الغلاف –ويبدو لي أنَّه من صُنع النَّاسخ- كُتِب: "قال ابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء ج 1/ ص 327": "أبو منصور الحسن بن نوح القمري: كان سيد وقته وأوحد زمانه، مشهوراً بالجودة في صناعة الطِّب، محمود الطَّريقة في أعمالها، فاضلاً في أصولها وفروعها، وكان -رحمه اللّه- حسن المعالجة جيد المداواة؛ متميزاً عند الملوك في زمانه؛ كثيري الاحترام له.
وحدثني الشيخ الإمام شمس الدين عبد الحميد بن عيسى بن الخسروشاهي أنَّ الشيخ الرئيس ابن سينا كان قد لحق هذا وهو شيخ كبير، وكان يحضر مجلسه ويلازم دروسه، وانتفع به في صناعة الطِّب.
ولأبي منصور الحسن بن نوح القمري من الكتب: كتاب غنى ومنى، وهو كناش حسن، قد استقصى فيه ذكر الأمراض ومداواتها على أفضل ما يكون، ولخص فيه جملاً من أقوال المتعينين في صناعة الطِّب، وخصوصاً ما ذكره الرازي متفرقًا في كتبه" كتاب علل العلل".(انتهى بلفظه)
وعلى الغلاف أيضًا ختم غير واضح، كما كُتِب: (طب تيمور - 167).
وتبدأ بمقدمة المؤلف وأول الكتاب: "كتاب غنى ومنى. بسم الله الرحمن الرحيم. رب وفِّق. قال أبو منصور الحسن بن نوح القمري: إنَّ لكثرة معرفتي بفضل علم الطِّب على سائر العلوم، وفرط علمي بحاجة كلِّ شخصٍ في كلِّ وقتٍ، وكلِّ مكان إليه، وشدَّة حرصي على ما يرغب النَّاس في تعلُّمه، لا أزال مُفكِّرًا في جمع ما يُقرِّب البعيد، ويسهِّل المتوغل؛ ليزداد المبتدئ به والشَّارع فيه قوة صريمة وثبات عزيمة على دراسته واستكمال الحظِّ منه". وتنتهي بقوله: "والله تعالى أعلم للصَّواب، وإليه المرجع والمآب، وكان الفراغ يوم السبت من اثنتي عشرة من شهر رجب سنة أربع وخمسين ومائة وألف". ورمزت لها بالرمز (ص).
وتمتاز هذه النُّسخة الخطية أنها مكتملة، وقد صُرِّح فيها باسم المؤلف، وإن كانت لم تكتب في حياته، وإنما كُتبت بعد وفاته بوقت طويل، حيث إنها كتبت سنة 1154هـ.
أما عن النُّسخ التي اعتمدت عليها الدكتورة وفاء تقي الدين، فمنها ما لم يحدد تاريخ النَّسخ، ولا اسم النَّاسخ، مثل: نسخة مكتبة أحمد الثالث، ونسخة الجمعية الملكية بلندن. أو أن صورتها باهتة، مثل نسخة الجمعية الملكية بلندن.
أما عن النُّسخ التي اعتمدت عليها الدكتورة غادة حسن الكرمي، فمنها ما لم يذكر اسم المؤلف، مثل: نسخة مكتبة Chester Beatty في دبلن، والنُّسختان الموجودتان في طهران. أو أنها مكتوبة برسم رديء، وليس عليها تاريخ، مثل: نسخة مكتبة السلطان الفاتح في استانبول، ونسخة مكتبة أحمد الثالث، ونسخة مكتبة جامعة طهران، ونسخة مكتبة الكلية الملكية للأطباء في لندن Royal College Of Physiciians.
النُّسخة الثَّانية: "مجلة مجمع اللغة العربية":
وهي نسخة مطبوعة منشورة في ثلاثة أجزاء في "مجلة مجمع اللغة العربية" بدمشق سنة 1990م – 1991م ، مجلد (64، 65، 66)، وهي بعنوان: "كتاب التَّنوير في الاصطلاحات الطِّبية" لأبي منصور الحسن بن نوح القمري، المتوفى نحو 390هـ. تحقيق: وفاء تقي الدين.
ويبلغ عدد صفحات الكتاب (111) صفحة، ورمزت لها بالرمز (و).
النُّسخة الثَّالثة: "مكتب التربية العربي":
وهي نسخة مطبوعة في الرياض، قام بنشرها مكتب التربية العربي لدول الخليج، بالرياض، سنة 1411هـ، 1991م. وهي بعنوان: "التَّنوير في الاصطلاحات الطِّبية" لأبي منصور الحسن بن نوح القمري. تحقيق: الدكتورة غادة حسن الكرمي. ويبلغ عدد صفحات الكتاب (115) صفحة، ورمزت لها بالرمز (غ).
● ثالثًا: عملي في التحقيق:
- الرموز المستخدمة:
1- استخدمت القوس ( ) في حالة وجود فروق بين النُّسخ عند عملية المقارنة والمطابقة.
2- استخدمت المعكوفتين [ ] لحصر إضافة من المساعدات خلا منها الأصل.
3- أُشير بالشرطتين المائلتين // عند وجود تداخل بين فروق النُّسخ والنقص أو الزيادة.
- طريقة المقابلة والتحقيق:
1- قمت بنسخ النُّسخة (ص)، وتمت مقارنتها مع المطبوعتين (و - غ).
2- أثبت فروق النُّسخ، وأوضحت السَّقط والزِّيادة والسَّهو الذي وقع من النُّساخ.
3- قمت بتصحيح النَّص، وتشكيل الكلمات المبهمة، ومراعاة القواعد الإملائية الحديثة، والتي أُهملت في جميع نُسخ الكتاب.
4- شرحت الكلمات الغامضة التي تصعب على القارئ غير المتخصص.
5- قمت بعمل كشافات متخصصة للكتاب؛ حتى يستطيع القارئ الوصول بسهولة ويسر إلى ما يريد معرفته.
وبعد: فإنَّ كتاب "التَّنوير في الاصطلاحات الطِّبية" لأبي منصور القمري، والذي كُتِبَ في النِّصف الثاني من القرن الرابع الهجري، كتاب قصير، يتألف من تعريفات مركزة للمفردات والمصطلحات الطِّبية، وقد كان له مقام رفيع في زمانه على الرغم من عدم شهرته في الوقت الحاضر، فهو لذلك يمثل إضافة تثرى المكتبة الطِّبية، وبخاصة أنَّه يقدم تلك التَّعريفات بشكل يفيد المتخصص من جهة، ويفيد عامة القراء من جهة أخرى، مستخدمًا لغة مبسطة سهلة.
المراجع:
[1] أستاذ أكاديمي، محقق، مصري، رئيس مركز تحقيق التراث العربي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا
[2] أستاذ أكاديمي، طبيب مؤرخ علمي، مصري، ولد سنة 1925م وتوفي سنة 1997م.
[3] للمزيد عن حياته يُنظر: عيون الأنباء في طبقات الأطباء، موفق الدين أبو العباس أحمد بن القاسم بن خليفة بن يونس السعدي الخزرجي المعروف بابن أبي أصيبعة، تحقيق: أ.د. عامر النجار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2001م، 1/289. كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، مصطفى بن عبد الله كاتب شلبي (حاجي خليفة)، مكتبة المثنى، بغداد، 2/1210. الوافي بالوفيات، صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي، دار صادر، بيروت، ط/1، 1997م، 4/216. هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين، إسماعيل بن محمد أمين بن مير سليم الباباني البغدادي، استانبول، 1955م، 1/145. معجم المؤلفين، عمر رضا كحالة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د . ت، 3/299. الأعلام، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، ط/5، 1980م، 2/224. اللباب في تهذيب الأنساب، أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد الشيباني الجزري، دار صادر، بيروت، 1400هـ، 1980م، 3/54.
[4] عيون الأنباء في طبقات الأطباء، 1/289. الوافي بالوفيات، 4/216.
[5] عيون الأنباء في طبقات الأطباء، 1/289.
[6] الوافي بالوفيات، 4/216. عيون الأنباء في طبقات الأطباء، 1/289. كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، 2/1210. هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين، 1/145. معجم المؤلفين، 3/299. الأعلام، 2/224. إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، إسماعيل باشا بن محمد أمين بن مير سليم البابانى، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 2/56. فهرس مخطوطات مكتبة آزاد، محمد رضا نوعي، مكتبة مولانا آزاد، سنة 1982م، الهند، 1/419.
[7] الأعلام، 2/224. هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين، 1/145. إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، 2/56.
[8] الأعلام، 2/224.
[9] تاريخ التراث العربي، فؤاد سزكين، ترجمة: د. عبد الله بن عبد الله حجازي، طبع جامعة الملك سعود 1406هــ، 1986م، 3/319.
[10] مجلة مجمع اللغة العربية، دمشق، مج (60)، 105 : 123.
[11] فهرس مخطوطات الطب والصيدلة والبيطرة والبيزرة في دار الكتب الوطنية بتونس، معهد المخطوطات العربية، القاهرة, سنة2000م، 2/184.
* محقق الكتاب، والمقال كلمة ألقيت في ندوة التراث الطبي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا يوم السبت 19 أبريل 2025م.